ابن كثير
337
البداية والنهاية
محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، جعل يقول : " اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد " ثم التفت وكأن شق وجهه القمر . وقال " كأني أنظر إلى مصارع القوم عشية " ( 1 ) رواه النسائي من حديث الأعمش به . وقال لما التقينا يوم بدر قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت مناشدا ينشد حقا له أشد مناشدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره . وقد ثبت إخباره عليه السلام بمواضع مصارع رؤوس المشركين يوم بدر في صحيح مسلم عن أنس بن مالك كما تقدم ، وسيأتي في صحيح مسلم أيضا عن عمر بن الخطاب . ومقتضى حديث ابن مسعود أنه أخبر بذلك يوم الوقعة وهو مناسب ، وفي الحديثين الآخرين عن أنس وعمر ما يدل على أنه أخبر بذلك قبل ذلك بيوم ولا مانع من الجمع بين ذلك بأن يخبر به قبل بيوم وأكثر ، وان يخبر به قبل ذلك بساعة يوم الوقعة والله أعلم . وقد روى البخاري ( 2 ) : من طرق عن خالد الحذاء ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر : " اللهم أنشدك عهدك ووعدك ، الله إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا " فأخذ أبو بكر بيده وقال : حسبك يا رسول الله ألححت على ربك ، فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول : ( سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ) [ القمر : 45 - 46 ] وهذه الآية مكية وقد جاء تصديقها يوم بدر كما رواه ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ثنا أبو الربيع الزهراني ، ثنا حماد ، عن أيوب عن عكرمة قال لما نزلت : ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) قال عمر : أي جمع يهزم وأي جمع يغلب ؟ قال عمر فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع وهو يقول : ( سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ) فعرفت تأويلها يومئذ وروى البخاري من طريق ابن جريج عن يوسف بن ماهان سمع عائشة تقول نزل على محمد بمكة - وإني لجارية العب - ( بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ) . قال ابن إسحاق : وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول : " اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد " وأبو بكر يقول : يا نبي الله بعض مناشدتك ربك فان الله منجز لك ما وعدك ، وقد خفق النبي صلى الله عليه وسلم [ خفقة ] ( 3 ) وهو في العريش ثم انتبه فقال : " أبشر يا أبا بكر ، أتاك نصر الله ، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده ، على ثناياه النقع " يعني الغبار . قال ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم . وقال : " والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر ، إلا أدخله الله الجنة " قال عمير بن الحمام أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهن : بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ؟
--> ( 1 ) رواه البيهقي في الدلائل 3 / 50 ومسلم مطولا في 32 كتاب الجهاد ( 18 ) باب الامداد بالملائكة في غزوة بدر ح 58 وأحمد في مسنده 1 / 30 - 32 . ( 2 ) في 65 كتاب التفسير - تفسير سورة القمر ( 5 ) باب قوله : ( سيهزم الجمع ) ح 4875 فتح الباري 8 / 619 وأخرجه في كتاب الجهاد . باب : ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم . وفي كتاب المغازي باب : إذ تستغيثون ربكم . ( 3 ) من ابن إسحاق ، وخفق : نام نوما سريعا .